الشيخ محمد عبده

59

رسالة التوحيد

وذلك من أنقاض السقف القديم . وهذا هو التمييز بين الضار والنافع - فمن زعم أن لا حسن ولا قبح في الأعمال على الإطلاق فقد سلب نفسه العقل ، بل عدها أشد حمقا من النمل 72 . سبق لنا أن واجب الوجود وصفاته الكمالية تعرف بالعقل ، فإذا وصل مستدل ببرهانه إلى إثبات الواجب وصفاته غير السمعية ، ولم تبلغه بذلك رسالة كما حصل لبعض أقوام من البشر ، ثم انتقل من النظر في ذلك وفي أطوار نفسه إلى أن مبدأ العقل في الإنسان يبقى بعد موته كما وقع لقوم آخرين ، ثم انتقل من هذا مخطئا أو مصيبا إلى أن بقاء النفس البشرية بعد الموت يستدعى سعادة لها فيه أو شقاء ، ثم قال : إن سعادتها إنما تكون بمعرفة الله وبالفضائل ، وإنها إنما تسقط في الشقاء بالجهل بالله وبارتكاب الرذائل ، وبنى على ذلك أن من الأعمال ما هو نافع للنفس بعد الموت بتحصيل السعادة ، ومنها ما هو ضار لها بعده بإيقاعها في الشقاء ، فأي مانع عقلي أو شرعي يحظر عليه أن يقول بعد ذلك بحكم عقله : إن معرفة الله واجبة ، وإن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة ، وإن الرذائل وما يكون عنها محظورة ، وأن يضع لذلك ما يشاء من القوانين ليدعو بقية البشر إلى الاعتقاد بمثل ما يعتقد ، وإلى أن يأخذوا من الأعمال بمثل ما أخذ به من حيث لم يوجد شرع يعارضه . أما أن يكون ذلك حالا لعامة الناس يعلمون بعقولهم أن معرفة الله واجبة ، وأن الفضائل مناط السعادة في الحياة الأخرى ، والرذائل مدار الشقاء فيها ، فمما لا يستطيع عاقل أن يقول به ، والمشهود من حال الأمم كافة يضلل القائل به في رأيه . لو كانت حاجات الإنسان ومخاوفه محدودة كما هي حاجات فيل أو أسد مثلا ، وكان ما وهب له من الفكر واقفا عند حد ما إليه الحاجة ، لاهتدى إلى المنافع واتقاء المضار على وجه لا يختلف فيه أفراده ، ولسعدت حياته ، وتخلص كل من شر الآخر . ونجا بقية الحيوانات من غائلة الجميع . لكن قضى عليه حكم نوعه بأن لا يكون لحاجته حد ، ولا تختص معيشته بجو من الجواء 72 ولا بوضع من الأوضاع ، وأن يوهب من القوى المدركة ما يكفيه